محمد بن علي الشوكاني

4976

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وفي هذا ما يدلُّ على اعتبار إسلامِ من تكلَّم بكلمة الشهادةِ عند رؤية السيفِ ( 1 ) ، ومخافةَ القتل ، فيحمل ما في الآية من البأس على ما هو من الله - سبحانه - كما يرشد إليه إضافةُ البأس إلى ضميره - سبحانه - كالقيامةِ ، والخسِْف ، والصواعقِ ، ونحو ذلك .

--> ( 1 ) ويؤيد ذلك الحديث المشهور الذي أخرجه مسلم رقم ( 33 / 21 ) والنسائي ( 6 / 4 - 5 ) ( 6 - 7 ) وابن حبان في صحيحه رقم ( 218 ) والطبراني في " الأوسط " ( 2 / 158 رقم 1294 ) والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ( 3 / 213 ) وابن منده في " الإيمان " ( 1 / 162 رقم 23 ) و ( 1 / 359 رقم 199 ) و ( 1 / 360 رقم 200 ) من طريق الزهري عن سعيد ، عن أبي هريرة : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " . قال القاضي عياض في كتاب " الإيمان من إكمال المعلّم بفوائد صحيح مسلم " ( 1 / 206 ) : ومعنى " عصموا " منعوا . قال الله تعالى : " والله يعصمك من الناس " [ المائدة : 67 ] . و " لا عاصم اليوم من أمر الله " [ هود : 43 ] ، و { يعصمني من الماء } [ هود : 43 ] . وقد فسره في الحديث الآخر بقوله : " حرم ماله ودمُه " - أخرجه مسلم رقم ( 34 / 21 ) - واختصاصه ذلك بمن قال : " لا إله إلا الله " تعبيرٌ عن الإجابة إلى الإيمان وأنَّ المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده وهم كانوا أوَّل من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه ، فأمَّا غيرهم ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتفى في عصمة دمه بقول ذلك إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده فلذلك جاء الحديث الآخر : " وأني رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة " . انظر : " فتح الباري " ( 3 / 358 ) ، ( 12 / 279 ) ، " مجموع الفتاوى " ( 7 / 186 - 189 ) . وقد بوب مسلم في صحيحه رقم ( 41 ) - باب تحريم قتل الكافر بعد قوله : لا إله إلا الله . وأخرج حديث رقم ( 155 / 95 ) عن المقداد بن الأسود أنَّه قال : يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار . فقاتلني . فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة ، فقال : أسلمت لله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا تقتله " قال فقلت : يا رسول الله إنَّه قد قطع يدي ، ثم قال بعد ذلك : إن قطعها أفأقتله ؟ قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا تقتله ، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال " . وأخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 4019 ) .